محمد راغب الطباخ الحلبي

556

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وحمدت سيرته في أحكامه لتمسكه بالحق ومراعاته للوجدان ، وفي تلك السنين عين عضوا في مجلس الإدارة أيضا . ولما صار جميل باشا واليا على حلب كان في أول الأمر على وئام تام معه ، إلى أن توفي مصطفى آغا كتخدا ، فأراد جميل باشا أن يشارك الورثة في تركة أبيهم ويتناول منها بعض ما فيها من المتاحف ، ورغب من المترجم معاضدته على ذلك ، فأبت شهامته موافقته ، وأخذ في ذلك الحين في مناهضته . وكانت حلقات الخلاف قد استحكمت بين جميل باشا وبين بني الجابري أيضا ، وعزم على نفي نافع باشا إلى مرعش وقصد إركابه على دابة وكان الوقت في تموز أملا بالقضاء عليه في الطريق ، فعارضه المترجم أشد المعارضة واشتد الخصام بينهما ، وصار جميل باشا يخابر الآستانة في شأن أحمد أفندي وأحمد أفندي يخابرها كذلك ، وخشي الناس أن يوقع جميل باشا بالمترجم ، وصار أصدقاؤه يبتعدون عنه خشية من بطش جميل باشا بهم لموالاتهم له . وكان من جملة أصدقائه رزق اللّه وكيل أحد أعضاء مجلس الإدارة وقتئذ ، ولما رأى ما حصل خشي من بطش جميل باشا به لموالاته للمترجم ، فوجد من المناسب أن يذهب إلى الآستانة ويبقى فيها إلى أن تنقشع تلك السحابة ، فلم يأذن له جميل باشا إلا إذا كان أثناء وجوده هناك يشهد أمام الوزارة والسلطان أن أحمد أفندي من الموالين للدولة الإنكليزية ، وقصده إدخالها إلى هذه البلاد ، وأن في إبقائه في حلب خطرا عليها وعلى البلاد ، ومن الواجب قتله أو إبعاده . وكتب جميل باشا إلى المابين بذلك وطلب من حكومة الآستانة استشهاد رزق اللّه وكيل ضيف الآستانة على ما بينه في كتاباته عنه . أما رزق اللّه وكيل فإنه لم يرض أن يخالف وجدانه ويتكلم بغير الحق . ولما مثل بين يدي السلطان والوزراء جاهرهم بالحقيقة ونفى ما نسبه جميل باشا إلى المترجم بتاتا وبين لهم حقيقة أخلاقه وما انطوى عليه . عندئذ أرسل السلطان عبد الحميد صاحب ملابك إلى حلب مفتشا وكان رجلا موصوفا بالصدق والصلاح والاستقامة وللسلطان فيه تمام الثقة . فلما وصل إلى حلب نزل أولا ضيفا في التكية المولوية ، فهرع للسلام على وجوه الشهباء إلا المترجم ، فإنه لم يذهب علما منه أنما أتى لأجل قضيته والخلاف القائم بينه